الجاحظ
105
البخلاء
وسأل زياد « 1 » عن رجل من أصحابه فقيل : إنه لملازم ، وما يغبّ « 2 » غداء الأمير . فقال زياد : فليغبّه ، فإن ذلك مما يضرّ بالعيال . فألزموه الغبّ . فعابوا زيادا بذلك . وزعموا أنه استثقل حضوره ، في كل يوم ، وأراد أن يزجر « 3 » به غيره ، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤونة عظيمة « 4 » . وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات ، وكما ينظر الراعي للرعية ، على مذهب عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه . وقد قال الحسن : تشبّه زياد بعمر فأفرط « 5 » ، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس . فجعلتم ذلك عيبا منه . وقال يوسف بن عمر لقوّام موائده : أعظموا الثريدة ، فإنها لقمة الدرداء « 6 » . فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه ، والصبي الذي لم ينبت فمه . وأطعموهم ما يعرفون ، فإنه أنجع وأشفى للقرم « 7 » فقلتم : إنما أراد العجلة والراحة ، بسرعة الفراغ ، وأن يكيدهم بالثريد ، ويملأ صدورهم بالعراق « 8 » . حديث الرسول وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : سيّد الطعام الثريد . ومثل عائشة في النساء ، مثل الثريد في الطعام . ولعظم صفة الثريد في أعين قريش ،
--> « 1 » زياد ابن أبيه : أحد ولاة الأمويين في البصرة . ومن خطباء العصر الأموي . « 2 » يغبّ : ينقطع . « 3 » يزجر : يردع ، يمنع . « 4 » مؤونة عظيمة : كلفة كبيرة . « 5 » أفرط : أكثر وبالغ « 6 » الدرداء : من سقطت أسنانها . « 7 » القرم : الرغبة الشديدة للحوم . « 8 » العراق : تجريد العظام من بقايا اللحم .